الشيخ محمد هادي معرفة

218

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ولعلّ المستثني نظر إلى قوله تعالى : « وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً » . « 1 » ولكن ذلك لا يستدعي نزولها بالمدينة لمناسبة وجود اليهود فيها ، بل هي عامة تشمل النصارى والمشركين أيضا ، على أنّ نزول آية بشأن قصّة يهودية لاتستوجب مقارنة نزولها يوم كانوا ينابذون الإسلام ، والآيات بهذا النمط كثيرة في سور مكّية ، وذلك لوجود الصلة القريبة بين اليهود والمشركين قبل مهاجرة النبيّ صلى الله عليه وآله إلى المدينة ، كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك . وقال أيضا باستثناء قوله تعالى : « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ . . . ( إلى قوله : ) فُرُطاً » . « 2 » زعموها نزلت في عيينة بن حصن ، عرض على رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله وهو آنذاك بالمدينة ، أن يتباعد مجلس فقراء المؤمنين ، إن كان يريد إسلام عظماء البلد . « 3 » لكن الصحيح أنّها نزلت في أُميّة بن خلف ، عرض عليه صلى الله عليه وآله ذلك وهو بمكة فدعى النبيّ صلى الله عليه وآله إلى طرد الفقراء وتقريب صناديد قريش . « 4 » ولهجة الآية وسياقها أيضا تشي بذلك . وفي المصحف الأميري وتاريخ القرآن للزنجاني استثناء قوله تعالى : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ( إلى قوله : ) لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً » « 5 » تسع عشرة آية . زعموا أنّ الذينَ وجّهوا هذا السؤال إلى النبيّ صلى الله عليه وآله كانوا هم اليهود أنفسهم ، ومن ثمَّ كان نزول الآيات - بصدد الإجابة - في المدينة . « 6 » والصحيح أنّ المشركين هم الّذين سألوا هذا السؤال ، لكن بتعليم من اليهود ، كان المشركون بعثوا من يسأل اليهود عن أوصاف رسول‌اللّه ، فأجابوهم بأسئلة يوجّهونها إلى رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله فإن أجاب فهو نبيّ حقا .

--> ( 1 ) - الكهف 4 : 18 . ( 2 ) - الكهف 28 : 18 . راجع : الإتقان ، ج 1 ، ص 41 ؛ وتأريخ القرآن لأبيعبداللّه الزنجاني ، ص 29 . ( 3 ) - الدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 220 . ( 4 ) - لباب النقول ، ج 1 ، ص 230 ؛ والدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 220 . ( 5 ) - الكهف 83 : 18 - 101 . ( 6 ) - الدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 340 .